لا تبحث عن حياةٍ ليست لك

لم يمنعني يومًا الخوف من أن أكون أنا من العيش، بالرغم من أن تكون أنت في هنا يعني الموت، والموت هنا لا يعني أن ينتهي أي شيء.. بل هي البداية لشعور اللا مُبالاةِ في داخلك، وعدم الرغبة لمقاتلةِ أي شيء من أجل أي شيءٍ تريده.

تلوك الأيام على وسادتك، تُخرس الأحاديث التي تتناقلها العقول في داخلك، تحاول تمييزك من بين الأصوات الكثيرة التي تتعالى وتحتشد في غضبٍ وحزن، يبدو لك وكأن هنالك محكمة بلا قاضي… وأنتَ المُتهم وأنت القاضي لو أنصتّ جيدًا. تميلُ للاستماع للجميع خوفًا من أن تكون ظالمًا لأحد، صوتُ الحياةِ يخبو تحت وطءِ أقدامهم، أسواطهم تعترك على كتفيك، والقضية الشائكة بخصوص أحدٍ ليست لك.

من يُلام في الحب؟

يتسلل الشعور عميقًا ويتغلغل في داخلك، يسحق قلبك كذبابة… لا تستطيع الكذب، هنالك جزء عظيم منك يريد أن يلعب دور الضحية، ويريد أن يكون هو بطل هذه القصة الحزينة، يريدك أن تكون الوحيد الذي يرفع الراية الدامية ويثرثر عن القضية من وجهةِ نظرهِ فقط كما لو أن للبحر ضفة واحدة، الرومانسية لا تميل ناحية الاعتراف بالخطأ، والقدر لا يخبرك بالقصة كاملة، ولأننا نحن… نميل لمحو كل التفاصيل التي تجري على وجوهنا، نرفع أصابعنا لسهولةِ التحليق باليدِ ولسهولة الصفع، نوجه التهمة ناحية الطرف الذي نحب، ونلقي بالثقل كاملًا على كاهل قصتهِ المخفية، القضية لا تزال صاخبة، والمرايا تعكس كل شيءٍ في الشخصِ الآخر، القضايا متشابهة… الصراخ واحد.

ياء الملكية وجه للغياب

تبقى متيقظًا بكل حواسك لكل كلمةٍ تُقال، تبحث في دلالاتها ونهاياتها عمّا يدلُ على سقوط حاجزِ الانكار عند صرحك، وتنتظر بشدة ذلك الشخص الذي يوهمك بأنه سيحكم مملكتك وتحكم مملكته، ونسلم مفاتيحنا عند أول ياءٍ للملكية يتم تبادلها بكل ما أوتينا من لذةٍ ومتعة ويقظة وسكرةٍ في الوقتِ ذاته، الحقيقة أن لا أحد منا مستعدٌ للتخلي عن مملكته، ولا لقيادةِ مملكةٍ أخرى… نحن جشعون، نريد مفاتيح كل ما يُشعرنا بالحياة، غير ممهدين للمشاركة، هوياتنا مغلقة، وحقائقنا مغلفة حد التعاسة… سوداويون كعاصفة، كجراد.. كآفة، لم يعلمنا أحد أن الممالك تقوم بسلاطينها دون مفاتيح؛ ولهذا نفشل دائمًا في البقاء بعد أول تذييل لاسمٍ بياء.

العقل غير واعٍ والقلب لا يكذب

لطالما صدقت قلبي، وإن كان حدسك عالٍ كالحدس المجنون لدي لصدقته كذلك… لكن القلوب أحيانًا لا تعرف كيف تتكلم، ولا تعرف كيف تفهم، عقلك يقول أننا في متاهةٍ لا يمكن الخروج منها، وقلبك يخبرك بأن هنالك معترك بيننا… وأنا أقول صدقني لستُ أريد حياةً ليست لي، لم آتِ لسرقتك. يربك عقلي حاجة أحدٍ أو رغبته – لا أدري ما تكون – بالبقاء، وفي الوقتِ نفسه المسافات الشاسعة بينهما كـ ”مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ“، أعقد الآيتين بحجاب آيةِ الكرسي، وأبتلعها ثم أمضي، أعضّ على شغاف قلبي وأسير بجانبِ بحرك بوعيٍ شديد؛ وبعد نوباتِ بكاءٍ لم تُساعد هذا البحر إلا على الارتفاع في منسوبه، أغسل كفي بالسماح لكل شيءٍ بالرحيل، داخلي شيءٌ استيقظ… قلبي لا يكذب؛ مساحتك هنا، لكن مفاتيحي تغيرت.

من يكتب النهايات؟

أنت تجرّ عافيتك للمقاومة، وأنا أجرّ صحتي للبقاء… أقولها كما قلتها دائمًا: أنت رائع في ذلك، وللمرةِ الأولى بعد المشاعر الكثيرة التي غطيتها بالخوف: أقول كم أنت رائع في تجاوزي. 

منذ أيامٍ وأنا أستيقظ ووجعي مفتوق على كتفي حتى أسفل ظهري، رئتاي لم تعد تعملا بالشكل الصحيح، ونوباتي التي أستيقظ منها مسلوبة النبض زادت، يقول طبيبي أنِّي بحاجةٍ للعناية الشديدة، يقول صديقي: علاقاتنا تختلف بعد متسع من الحرية، تقول صديقتي: أنتِ بحاجةٍ للتخلي، وأنا أقول: أنا بحاجةٍ ماسة للبكاء منك، وعندما بدأت أفعل ظهرت أمامي كشارةٍ كونية بألا أفعل!

كيف يمكننا التمسك بشارةٍ واحدة لا يمكننا تفسيرها بشكلٍ جيد؟ هل كنت تربط حذائك كي تراني، أم كنتُ أتوهم أن هذا أنت وأيقظتني الخطوات المتعثرة برؤيتك؟ عيني عليك وعقلي على بعادك، والوقفات الطويلة التي قلنا فيها بأني لستُ حبيبة بغضبٍ وباستسلام، بأني صديقة ولستُ صديقة… وبكل المرات التي قلت أنك ستتخلى عني فيها.

مضيت في طريقك، وغسلت قلبي بالماء… ”مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ“، العقل حين يستيقظ ينام القلب، لا يمكنك أن تعيش معهما سوية… هكذا علمتني، ولأني غالبًا واهمة… تركتكَ تذهب كنهايةٍ واحدة أبكتني بشدة وأفقدتني طاقتي في المساء.

شارةٌ واحدة لا تكفي، ولأنك رحلتَ ولأني أقاوم خوفي من رحيلك الذي كررته علي كأساطير الجداتِ التي نقتل بها يقظة الأطفال، افتعلت وجهًا آخر للمعاناة… كأن وهمًا واحدًا لا يكفي! لا أعرف كم من مرةٍ يجب على الحياةِ أن تصفعك بفقد شخصٍ تحبه حتى تسلبهُ منك تمامًا! ظهرتَ مرةً أخرى أمام القصاصات في الجدار، كأني أعرفُ بقدومك، وكأنك جئت هنا لتحاسبني.

لا زلتُ أتذكر كيف تقوقعت على كلّي من أجلِ كلك أن يستريح، واكتفيتُ بصوتك كتهويدةٍ طويلة لا تنتهي، تلقفت وجهاتِ نظرك رغم أني عرفتُ يقينًا بمعارضتي للكثير منها؛ لكني أردتُك بشدة… أردتك أن تكون قريبًا، انكسرتُ بشدة لأن تكون قريبًا فقط، لم أدافع عن شيء، لم أكن واضحة أكثر من المرات الأولى التي رأيتني فيها والتي تغاضيتَ عنها وأنا أخفيتها مذ عرفتك، صلّيتُ كثيرًا لأجِل أن تبقى مجرد صديق؛ لم أصلِّ يومًا لصديق! لم أتخيل يومًا أن أصلي لأجلِ صديق… لم أؤمن بالصلاةِ حتى كفعلٍ لحاجةٍ مثل هذه، دعوت الله أن تكون بالقربِ فقط، وكثيرًا ما خبأت في صلواتي دعاءً يلفّ حياتك بالسلام، كان فعلُ الشكر في نهايةِ الصلاةِ يأتي على وجهِ الأشياء الجميلة التي كنتَ تخبرني إياها والتي تجعلني أتنفس لأنك بخير، وفعل الدعاء على إبقاء هذه النعمة.

شكرتُ الله كثيرًا حين ظهرتَ في حياتي، وبكيتُ عند اللهِ كثيرًا لأنه أهداني شخصًا زادني قربًا منه ومن ثم أبعد عني هذا الشخص. حين سلّمت بكل شيءٍ ظهرت مرةً أخرى، مرتين على التوالي، لم أستطع فيهما أن أحمل بعضي كي أنهض ببعضي، ولم أكن أقربُ للهِ كفردٍ اعتاد البكاء عنده، كنتُ باهتةً للحد الذي ساق الأصدقاء المتفرقين من أجلي، يجعل الله خيبةَ أحدهم صلةً للآخرين، كفعلٍ جماعي يريد بهِ حسنًا.

ولأن شارتين لا تكفي، أنتَ شارتي الثالثة هذا اليوم… في اللحظةِ التي اصطدم فيها قلبي بزجاجِ النافذةِ من شدةِ ما نبض في تلك اللحظة، وبالوهنِ الشديد الذي ما ملأ فيهِ هواء البحر رئتاي ولا عاد لوني لي.

عيونهم علي وعلى قدمي كي لا أسقط في لحظةٍ مفاجئة، وعيوني عليك وعلى قمةِ تجاهلك إياي وغضبك اتجاهي.

القضية ما قبل الأخيرة

رأيتك في أحلامي قبل كل يومٍ رأيتك فيه مؤخرًا، لم أبحث في الحلمِ أكثر عن شيءٍ يدل على سعادتك… على صوتِ طفلك الصغير وأنت تُلاعب قدميه.

أستيقظ على حالةٍ شديدة من الإنكار، أبتدئ فيها يومي بتعاسةٍ شديدة على الوسادة، أتساءل عن احتمالاتِ مرور هذا اليوم دون كارثة صحية، أو كارثةِ اشتياق، أُبقيني بعيدة عنك بكل الأشكال الممكنة… لم تكن محادثتنا الأخيرة مرضية ولم يكن أي شيءٍ منك يدل على رغبتك بالبقاء، تعبتُ من شدة التفكير، ساعات الصباح تمضي في الاحتمالاتِ الكثيرة التي تخيفني، أقلق بشدةٍ كما تعرف… وكل شيءٍ فيّ يقلق بشأنك، لا أعرفُ لماذا أنت فقط تفعل بي هذا، سألتني مرةً هل أحببتِ: وأجبتك بمرةٍ واحدة لم تكن تشبه الحب.

لقد كنتُ يومها أقف في الضوء، صوت جهاز التكييف يملأ أذني، صوت البحر لديك يخترق الصمت الذي دار بيننا، وحيرة شديدة بالبوح من عدمه، لماذا قد أجيبك بهذه الصراحة؟ لقد كان أول بابٍ أفتحه لك… شعرت فيهِ بالارتباك حتى أخمص قدماي.

يومها خفتُ بشدة من أن أحبك، وفعلت… وخفت بشدة أن أفقدك، وفعلت… خفتُ بشدة أن أغضبك وفعلت، خفتُ من أن تؤذيني، وفعلت.. اعتراني الخوف من كل شيءٍ حتى أن أكون أنا أمامك كما أنا، وحتى هذه اللحظةِ حين فعلت، لا زال كلي يشعر بوتيرة موجعة من الاختناق تتوالى؛ كأني أحببتك طوال عمري، وكأني أفقدك في كل لحظةٍ بتجدد.

أحدٌ منا لا يستطيع الاستمرار

لقد كنتُ بخيرٍ جدًّا حتى أتيت، كنتُ رائعةً حتى أتيت، كنتُ يقظةً جدًّا لكل شيءٍ حتى أتيت، ومنذ أتيت وكل شيءٍ فيه متجهٌ ناحيتك حتى نسيتُ أني هنا، تقول صديقتي: ارجعي مثل ما انتِ، اطلعي من الكارثة الي انتِ فيها.

لكني مشدوهة بك، وبك لا يستطيع الاستمرار بي، وبي كانت خائفةً من هذا الاستسلام الذي تعرف أنه سيقتلها، وخائفة من المقاومة التي ستقتلها، لقد كنت شخصًا لا يُقاوم. 

وحتى هذا الاعتراف مخيف، أن أخبرك عن المدى الذي تهمني فيه وعن كل الأذى الذي تستطيع التسبب لي فيه حتى بعد أن انتهينا عدة مرات، وحدك قادر على ذلك… اليوم تأكدت من ذلك.

أنت لم تعد تستطيع الاستمرار منذ مدةٍ طويلة، كنت واضحًا منذ البداية… أردتك أن تتجاوز فقط أننا لم نعد في الدائرة الخاصةِ ذاتها وأردتُ وقتًا للتأقلم مع هذا التغيير، لكنك كنت مميزًا لي كصديق، لم أمنع نفسي يومًا من إخبارك بذلك ولم أتردد.

رفضتني بكل الطرق الممكنة، وتقبّلت كل رفضك لوجودي، حتى لم أستطع الاستمرار في البقاء كشخصٍ لم يعد هو، وقررت أن أمنحك المساحة التي أردتها.

اليوم، كان هذا الأذى الأخير الذي أتلقاه، بعد رؤيتك عدتُ لمكانٍ واحد فقط أتأكد من وجودك فيه، لقد كانت نافذةً مفتوحةً بيننا.. أغلقتها أنت.

حتى المكالمة التي جبنت فيها لأسأل: ماذا أفعل أنا في هذه المكالمة إذًا؟ ألستُ صديقة؟ وخفتُ من أن يأتي الجواب بـ: لا! 

حتى المحادثة التي قلت أني أحتاجك فيه كصديق وأجبتني بأنك لا تستطيع التواجد لأني أريدك كحبيب. 

حتى كل الأوقات التي تخليتُ فيها عن كل اللحظاتِ بأصدقائي وبقيتُ فيها فقط معك، عن كل الأوقات التي هربت فيها من عائلتي وبقيتُ معك، كل الأوقات التي أردتُ فيها أن أبقى وحدي لأجل أن أبقى معك. 

اليوم فقط شعرتُ بأني انهرتُ بالكامل لأني استندتُ على كل من هربت منهم لأجلك، لأنك أغلقت هذه النافذة! 

لا نستطيع الاستمرار، لا أعرف كم مرةٍ بكيتُ وأنا أكتب هذا النص قبل مراجعته، أحيانًا المراجعة تكون مجازًا للفيضِ والزيادة، لكني لا أعرفُ ماذا أقول أكثر، أخاف لو أني حاولتُ الزيادة لأقلقت صدق هذا النص، ولو توقفتُ سينتهي كل شيءٍ يربطني بك، لكن يجب علي التوقف.

يجب على هذه المسرحية بيننا أن تنتهي، يجب على بحثك عن المثالية أن ينتهي كذلك، اسمح للآخرين أن يكونوا هم دون محاولة إصلاحهم، أقولها لأجل قلبك… اسمح للآخرين أن يقتربوا منك؛ لأنك رائع بالطريقة التي أنت عليها، ولأن هذا الجانب الرائع منك سينطفئ إن أبقيته في زاوية مغلقة.

يجب علي أن أدعك تنتهي الآن. 

يجب علي أن أنتهي الآن.

أن أنتهي.

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع