لا تقرأ لرغبتك!

يقول صديقي: “الناس في بلدنا تقرأ عشان تعيش حياة ثانية بدل الحياة الي تعيشها فيه”.

أحيانًا… يُراودك الخاطر في وقتٍ لا تتوقعه، مثل اللحظات الأولى لصحوتك من النوم… أو في روتين غُرفة الغسيل، في اللحظة التي تربط فيها فردة حذائك، أو تطفئ فيها التلفاز، في وقتٍ لا يجبُ على عقلك أن يكون نشطًا فيه – كما تعتقد أنت -، بينما حالة الصفاء أتت في تلك اللحظة، وكل ما عليك هو أن تتقبل أنها أتت.

راودني هذا الخاطر في لحظةٍ مُباغتة، أظنّ ذلك بسبب تخفّفه -عقلي- من المخاوف التي كانت مرتبطةً فيه والتي كانت تجعله قلقًا على الدوام من أن يفكر بشيءٍ آخر، لم يعد هنالك ما يمنعه من الانطلاق مُجدّدًا.

من هم الذين يقرؤون فعلًا؟

يقول صديقي: “مشكلتنا إن احنا نعتقد إن الآخرين – الأشخاص الي نعطيهم مساحة مختلفة – مثلنا”.

في وقتٍ سابق تأثّرتُ جدًّا بأحد الأشياء التي قِيلت لي من أحد الأصدقاء، ولم تكن نيتي في الرد موجودة… إنما شعرت بالدهشة للقالبِ الذي وُضعت فيه من شخصٍ ظننت أنه يتفهم طبيعتي، لطالما شعرتُ بأنه لا حاجة لي لتوضيح شيءٍ ما بخصوص رأي أحدٍ ما في، لكن تأثري جاء بسبب مدى القرب أظن: “انتِ ما تقرئي وايد زي ما كان يبدو، واقعًا خلال الفترة هذي ما شفتك تقرئي كثير”.

في لحظتها كانت لدي عدة ردود جاهزة، لكني اخترت منها أن أقول “صحيح” فقط، لأن الواقع يقول أني فعلًا لم أكن أقرأ كثيرًا في تلك الفترة ولأسباب معينة لم أطرحها؛ لم تكن أسبابًا للطرح أصلًا!

لدي مزاجٌ سيء لا يحتمل استقبال معلومةٍ جديدة في وقتٍ لا يريد فيه استقبال معلومة

الدراسة سبب أساسي لقتل وقتي ورغبتي

مشاعري متقلبة، ولا أريد أن أتجاهل وجودها في القراءة الآن

بالطبع… في آنها لم تكن لتخرج بهذه الطريقة، لو تركتُ لنفسي الأريحية في الاندفاع لكنتُ قلت: “يعني انت شايف كل شي، شايف إن الموضوع يتحمل إني أجلس أقرأ، وإلا عشانها فكرة مثالية إني أقرأ فلازم أسويها؟”.

لكني لم أقل ذلك، وبالعودة للموقف… الاندفاع لم يكن ليحدث إلا فوضى عارمة بيننا ستنتهي بصنع موقف في ذاكرته وذاكرتي ولكل منهما صورته الخاصة، وكلتيهما ليسا نحن، بل انطباعاتنا عن نحن، وسنُعمم الفكرة على ما تبقى منا.

هل أريد قول ذلك؟ لا! هل اندفاعي في آنها كان ليكون جيدًا؟ لا! هل ما قاله غير صحيح؟ لا! هل ما قاله ترك أثرًا جيدًا؟ لا! هل ما قاله دفعني لفعل أمرٍ جيد؟ بلى!

بعد مرور فترةٍ طويلة من الوقت، أستطيع القول بأن هذا كان موقفًا جيدًا؛ لأن المواقف الجيدة تأتي تبعًا لردود أفعالك الجيدة اتجاهها، مع نفسك قبل أن تكون مع غيرك، وهذا ما يجعلك تشعر باتساقك مع ذاتك.

لأبدأ بالتحليل:

لقد كنتُ أشارك الكثير مما أقرأ على شبكات التواصل في الوقت الذي شعرت فيه بالراحة لفعل ذلك؛ هذا وضعني في قالب القراءة لديهم… بصورةٍ أبدو عليها أني دائمًا أقرأ، ليس فقط هذا الصديق، بل الكثير… ليست صورةً سيئة، لكن القالب ناقص.

نميل لمشاركة الأشياء الجميلة أو التي نعتقد بفائدتها مع الآخرين، لكن حين نشعر بأن شيئًا مما نقرأ من الممكن أن يُفهم بهِ جزءٌ من أمورنا الشخصية، لا نُشارك… إلا إن كنّا نشارك كمية ضخمة من الأشياء، حينها سيصبح من الصعب على أحد أن يعرف الحقيقة مما نطرحه.

لم أتوقف قط عن القراءة، لكن القراءة بحد ذاتها تحتاج ذهنًا صافي، وهذا يعود لسببٍين بنظري: أنت تُغلق الباب على عالمك الحقيقي، وتفتح بابًا لعالمك الموازي الذي بنيته في خيالك… وتبدأ بعملية البناء والهدم وفقًا لما تقرأ، ثم تعود لإطفاء هذا النظام، وتبدأ بدمج عالميك معًا كي تحيا بينهما بشكلٍ موازي.

لا يُمكنك أن تفعل ذلك أحيانًا للسببِ الثاني: طبيعة قراءتك ذاتها.

هُنالك من يقرأ ما يُعجبه فقط، وهُنالك من يقرأ ما يُريد فقط ليجد شيئًا ملموسًا ويقول: أوه هذا الشخص يدعم الفكرة التي في رأسي وهي مدونة ومطبوعة، هاه.. لا يمكن لأحدٍ مجادلتي الآن! هنالك من يقرأ للبحثِ، هنالك من يقرأ للمعرفة، من يقرأ للتسلية، للرغبة بالهرب، للعيش في الخيال، لأشياء كثيرة.

وطبيعة القراءةِ هذه تضعك في قوالب أيضًا. يمكنك معرفة الكثير عن الشخصِ من خلالِ قراءتهِ وطريقته فيها.

مثلًا:

يختار الكتاب لأجلِ غلافه في المكتبة، يمكنني الجزم أنه ذات الشخص الذي يختار الفيلم بناءً على المقطع الدعائي له وعلى صورة الغلاف وممثليه، وهو ذاته الذي يذهب لمطعمٍ لأجلِ شكله، وهو ذاته الذي يهتم بشكل الآخرين قبل أن يكتشف مضمونهم.

أو

مقيمُ الكتاب من صفحاتهِ الأولى، هو ذاته الذي يعطي انطباعًا أوليًّا عن كل شيء، هو ذاته الذي يدعي أن عقله مُتاحٌ لاستقبال أشياء جديدة، لكنه من الداخل مُغلق، لا يستطيع أن يُشاهد فقط وينتظر، يريد أن يقرأ شيئًا مثاليًّا/ يشاهد شيئًا مثاليًّا/ يُقابل أناسًا مثاليون ….. ليس لأنها أشياء اتفق الآخرين على مثاليها، بل لأنها تتوافق مع أفكاره المثالية بنظره. ولا يمكنك مجادلته.

أو

الشخص الذي يقرأ كثيرًا حتى تكاد حياته مجرد كتب، قبل حتى أن تبدأ… يمكنك أن تفترض شيئًا وتُثبت صحته بالمُتابعة: هذا الشخص يهرب من حياته لأنها لا تُعجبه، أو لأن من حوله لا يعجبوه.

يمكنك تأكيد هذه النظرية بطبيعة الكتب التي يقرؤها: لو كانت كتبه رواية، فهو مفتونٌ بعالمٍ ليس عالمه، هو ذاته الذي يحلم بالسفر كثيرًا، وهو ذاته الذي يبحث عن الأفلام التي تسلبُ عقلك بخيالها، هو ذاته الذي يبحث عن الأماكن الهادئة والحالمة ويريد شخصًا هادئًّا مثله أو حالمًا مثله لكنه لا يستطيع إيجاده، حتى لو كان بجانبه! لديهِ قالبٌ جاهز لكنهُ غير جاهز للعيش.

أو

الشخص الذي يُحدث جلبة عن كل شيءٍ قرأه، لا يستطيع أن يقرأ لوحده دون مشاركة أحد، يجب أن يضع شيئًا تحت المجهر حتى لو كان سطحيًّا، تستطيع أن ترى كم هو بحاجةٍ للتواصل على المدى العميق الذي يضفي معنى لحياته، لأنه هو ذاته الفارغ الذي يبحث عن الشهرة، هو ذاته الذي يريد لفت الانتباه، هو ذاته الذي تتجنب الحديث معه لأنك لن تصل لنتيجة منطقية.

أو

أنك بدأت بموافقتي والتفكير في قوالبي، أو بدأت بمعارضتي مباشرة لأي سببٍ من الأسباب العامة أو الشخصية…!

وربما تكون الشخص الذي بدأ بالبحث عن القالبِ الذي يصفه حتى يقول عن هذه الصفحة تحديدًا بأنها جيدة، أو لم يجد قالبًا يصنفه ليقول أن هذه الصفحة مجرد حديث فارغ.

وربما تكون الشخص الذي يقرأ لأجلِ القراءة، لأنه مستعدٌ لأن يسمع ما أقول وليس متهيئًا لفكرة واحدة بحد ذاتها، لأنه الشخص نفسه الذي لديهِ تلك القابلية لئلا يحكم على أحد حتى بعد أن استمع لكل ما لديه، ونفسه الذي يستطيع أن يحللك سريعًا لكنه يختار ألا يفعل، ونفسه الذي يعرف الكثير عنك لكنه لا يهتم لأي مما يعرفه طالما أنت لم تطرح لديهِ شيئًا معينًا بحد ذاته.

يقول صديقي: “خرجت من الطابع الأدبي للعلمي، عندك تذبذب”

صديقي يحبُ الأدب، أتفهم ذلك جدًّا.. لكن الأدب لا يخدم مصلحتي للتعبير عني كما أريد هنا، رغم أني أحب سماع رأي صديقي دائمًا؛ لأنه يقوله اهتمامًا لا رغبةً منه في تغييري بل حبًّا في الأفضل لي؛ رغم أن الأفضل الذي يراه قد لا يكون فعلًا الأفضل الذي أراه، لكن هذا لا يمنع من أن أُضيف هذا الطابع الذي يُصر عليه، وسيقرأ دائمًا إن كان ما أكتبه أدبيًّا أو علميًّا أو حتى شيئًا تافهًا لأني طلبتُ منه ذلك.

ومثلما أطلب منه ويقرأ، هكذا بدأت الكتبُ في حياتي… لم أكن أهتم إن ما كانت الكتب في مجال أميل ناحيته، بل قرأت كل ما وقع في يدي، قرأتُ كتب أبي، وقرأت كتبَ أمي… وتسللتُ لمكتبة جدي، وفتح صديق أبي مكتبته لي، ولطالما سُعدت باستعارة الكتب من المدرسة! فعليًّا.. بالرغم من أن الكثير يستهزئ بمكتبات المدارس البسيطة، لكني سأقول بأني كنتُ محظوظة أو ربما هي طريقتي للنظر في الأمر؛ لأني قرأت كل ما أستطيع منها… بالرغم من أني أتذكر إحدى معلماتي في الابتدائية عندما كنتُ في الصف السادس أنظر في بعض العناوين التي جذبتني وقالت لي: “هذي ما تنفع لش”… وهذه العناوين ذاتها كنتُ قرأت جزءًا منها في المنزل، لكنها نظرت لي بقالب معين.

قرأتُ حتى صار عندي الفضول دائمًا لتصفح كتب الآخرين ومقاربة أفكارهم بناءً على ما يقرؤون، مشاركة أشياء يميلون لها واستكشافها، أو التجربة من قراءاتهم أو من كتبي ذاتها، وكم كان ولا زال أمرًا ممتعًا!.

وبالعودة لما قاله صديقي في البداية، لم تعد الرواية تهمني كثيرًا في الفترة التي كنتُ أعيش فيها حياتي، أو في الوقت الذي انغمستُ فيهِ بحياتي على وجه الصحة.

لطالما كانت الرواية البوابة التي تجعلك فعلًا تخرج من عقلك لعقل شخصٍ آخر، ولطالما كانت الوسيلة الأنجح لإسقاط عقل الكاتب على عقلك دون أن تشعر طالما كان قادرًا على جعلك تستمر بالقراءة.

لكنك ما إن تميز هذا التأثير، تندفع بشدة لمحاربته… (لأنك لا تريد لأحدٍ أن يُسقط عقله عليك) لأنك دائمًا تريد التفرد بذاتك، لأنك أجمل بذاتك. لكن هذا الاندفاع لن يقودك لذاتك.

هذا الاندفاع الذي قد نُنكره، سيكون واضحًا فيما لو حاول أحدٌ بشكلٍ صريح أن يطرح علينا فكرة ما وعارضناها مباشرة. هذا الاندفاع ذاته الذي يجعل الدم يجري في عروقنا عندما تُقدم لنا نصيحة لم نطلبها ونقول في دواخلنا وربما بصوتٍ عالي “وش دخلك”

حتى الآن لا أقول أن المعارضة شيء سيء، ووجود أسبابك شيء سيء؛ لكننا كائناتٌ مندفعة ولا تستطيع الخروج من قالبها الشخصي لرؤيتها من الخارج طالما لم نجد المنطق، لأننا أحيانًا لا نستطيع أن نفهم أنفسنا بكثرة التفاصيل التي نُغرق أنفسنا فيها، أو لأننا مليئون بالمشاكل التي نتذرع بأن لا أحد يفهمها، وبالتالي لا يهم إن تعارضنا لأن مشكلتي أهم لي من أن تتحدث معي بشيءٍ لا تفهمه.

وما هذا إلا مقاربة صغيرة لقول أننا نفعل هذا الأمر ذاته مع ما نقرأ وما نستقبل، طالما أن الأشياء لا تتسق معنا فهي تزعجنا وتجعلنا نبتعد بغض النظر عما يمكنه أن تفعل لنا.

“most people think the will to survive is the strongest instinct in human beings, but it isn’t. The strongest instinct is to keep things familiar” We survive and prosper by making things familiar, but we also create problems for ourselves.

M, R.B

We all create our subjective experience out of the “stuff” of the external world. One of the reasons that we don’t all end up with the same model is that our experiencing is governed by certain restrictions or constraints: the constraints of our individual nervous systems (neurological constraints), the societies in which we function (social constraints), and our unique personal histories (personal constraints).

R.B

لم تكن في نيتي أن أقول كل هذا، أردت القول ببساطة: لا تقرأ لموافقة عقلك على أفكاره، اقرأ لأجلِ توسيع مداركك؛ ومداركك ستبقى مغلقة طالما كان لديك معارضة مع كل شيء.

أردتُ أن أوضح كيف أتت هذه الجملة، لماذا.. ومتى، أردتها أن تضع أثرها عليك بشكلٍ صحيح… وأردتها أن تبقى لي كذلك عندما أعود لقراءتي بعد مدة. لكنها جاءت بوفرةٍ كانت تُثقل عقلي واحتجت لربطِ عُقدها وإلقائها.

سيسعدني جدًّا لو قرأت القوالب التي تضعونها للآخرين بحسبِ ما يقرؤون!

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع