الخسائر عندما تنتهي

يصبح التخلي أسهل مما تظن عند أكبر خيبةٍ تشق قلبك وبفعل (يبقر) على أملك. لطالما كانت خسائري فادحة وعظيمة، لا شيء مما أنجزته يشبه خسائري. أو الشعور ذاته الذي صار جسدي يميّزه. المواسم كلها مرت على خيباتي، والأسئلة التي تستطيع عرقلتك على الطريق لم تعد موجودة، تصبح الحياة باردة ومشوهة… ضبابية، الطرق سالكة بالمجهول، السير فيها وعدم السير واحد، بيد أنك قد تمل البقاء طويلًا في بقعة واحدة فتجلس في أخرى تشبهها، الخسائر عندما تقع تُزيل كل شيء من صدرك فتصبح أرضًا خاوية. 

لا أعرف من أين يستمد البعض إصرارهم على التمسك بالحياة، لدي فضول للمعرفة… الحياة ليست جيدة معي الآن، تشبه أفعى على عمودي الفقري، والسكون هو ما تعلمته طوال طفولتي والأفكار التي كبرت لدي من برامج التلفاز ومسلسلات الكرتون اليابانية. بيد أن عشرين دقيقة أو ربما أربعين من القلق والأحداث لعقل طفل لا تشبه ألم اليوم بأكمله حتى الذي يليه مع الذي يسبقه، الخسائر عندما تأتي تمنح جسدك حق الانهيار، ومع ذلك لا يوجد لديك أي رغبة بالتخلص مما أنت فيه، تستسلم بالكامل… مثلما استسلم جدي للخاتم الذي توقف في حلقه عندما أُصيب بالزهايمر، وكذلك كسر في الحوض. لم يكن جدي يبالي بأي شيء على ذلك السرير، تخيفني فكرة البقاء على السرير رغم أنها كل ما أفعله طوعًا الآن، أظننا لا نخشى شيئًا طالما كان بإرادتنا، وعندما نشعر بالعجز نثور… الكون لا يحكمه قانون إنسان، نحن محكومون به… الثوران ليس مسموحًا؛ لذلك يستمر العقاب بالعقاب، والخسارة تليها خسارة. 

نحن أبناء هذا الكون، وهو أب غاضب وساخط… ينتظر منا الهدوء حتى يهدأ ويسمح لنا بالوقوف مجددًا. أعرف ذلك جيدًا لسببين: 

لقد كنت الطفلة العنيدة مع أهلي على الدوام، تعلمت الهدوء عندما بدأت أتعلم أن الكبار لا يجب أن يعرفوا كل ما يجول بخواطرنا، وأن ما نهتم له ليس ما يهمهم.

وأن الكبار هادئون حتى ينتكس أحد ما في الصورة ويميل الميزان، أصبح أنا القضية الخاسرة في كل الأحوال الصحيحة والخاطئة. 

تعلمت اللا مبالاة كذلك، لم يعد مهمًا أن أقول أو أفعل… أو أن أطالب بحق أو رغبة. هنالك دائمًا متسع للخيبة المعتادة، وللتوقف عن المقاومة.

السبب الآخر أني كنت قوية في مراتٍ كثيرة لم يجب علي فيها ذلك، لقد كنت الأقوى في المواقف التي يجب عليك فيها أن تسقط، تماسكت بشدة في اللحظات التي يستل فيها القضاء خيوط قلبك، لقد كنت الأكثر دهشة وصدمة في كل المرات التي انهار الآخرون فيها حولي، في المرات التي تلوت أصابعهم على وجهي، في الدهشة.. في الدهشة.. في الدهشة، عندما يمسك أحد رأسك ويشده على الحائط بضربة.

لقد كنت الأقوى حد عدم الشعور بالألم الجسدي، والأقوى على الصمت الطويل والفراغ من بعد كل ذلك.

لم أجد أسبابًا للبقاء لكني بقيت.

الحرية مسلوبة، التعبير عن الغضب ليس إلا كذبة تجارية لبيع الكتب وتسويق بعض الأفكار والمنتجات، والغضب ليس شخصًا سيء، إنما شخص يحتاج العبور…. نحن متواطئون مع فكرة أننا بكبرياء حتى نسمح لأحد أن يعبر من خلالنا.

الوجع كلعنة

لا أعرف متى بدأت أفهم جسدي، أحيانًا أظنني لا أفعل… ملامحي كانت بليدة معظم الوقت رغم حدتها ومن حولي بليدون للتعرف على أي تغيير.

حدس أمي العالي لم يكن كافيًا لمعرفة متى أمرض، اعترافي الوحيد بأني بحاجةٍ للمساعدة هو ما يجعل الآخرين ينتبهون، أو سقوطي لفترة طويلة بالحمى.

إن أكثر ما يوجع في الوجع ذاته هو حاجتنا للاهتمام عندما لا نستطيع إحاطة أنفسنا به، مثل تنفس صناعي لفترة وجيزة.

لكن المفارقة في أن الوجع يأتي بين طيات الضحكات والتنفس الصناعي على مشارف الموت. 

ومفارقتي في مثل هذا الوقت أني بحاجة للنوم وبحاجة لليقظة، أحمل على كتفي عائلة وعلى كتفي الآخر أسند صدري. أنسى أني أحيانًا هنا. لكن اللعنة تنبه الجميع.

٢٩ عام، وذاكرتي جيدة

أستطيع التذكر بشكل ممتاز، هذه المقطوعة الموسيقية، المكان، النسمة الباردة التي جعلت أطرافي ترتعش، لون الغطاء الذي توسد حجري، الكتاب الذي كان في يدي، شعور أني أنا ولست أنا؛ كأني أنتقل في الزمكان.

جسدي يستحضر مثل هذه اللحظات بحساسية عالية، جسدي يحفر كل شيء بين خلاياه؛ لذلك التعرف على وجع سابق ليس مهمة صعبة.

الثالثة والربع فجرًا، هنالك يدٌ تعبر فقراتي وتقبض على قلبي، وتحاول الانسحاب. أضلاعي تثقب رئتي، وظهري لا يستطيع الصراخ والألم ملتصق في وجهه.

لقد ورثت الكثير عن جدي، أعرف ذلك كلما تقدمت بالعمر بضعة شهور!

لكني ورثت عن جدتي أكثر، لم تنكسر جدتي إلا عندما غاب وجه جدي عنها، لقد أصبحت أكثر حزنًا حتى حين تضحك، دموعها في عينيها مثل عيني المليئة بالماء.

لقد مرت ٥ أعوام على وفاة جدي، ربما ٦… لم أكن ملمة بالتواريخ في ذاك الحين، كنت أمر بوجعي الخاص.

كانت قويةً جدًا في عزائه، لم أسمع لها صوت بكاء… لكن يدها كانت تموت في يدي كلما صافحتها، قلبها ينهار في صدورنا كلما عانقناها، خطواتها تعيسة وكثيرة رغم عدم رغبتها في ذلك.

تقول جدتي: يا بنتي الرجال يحتاج مداراة، ما يصير اذا عصب تعصبي وياه، الكلام الزين وقولي له ان شاء الله، ما يصير… شوفي ابوش العود كيف مجننني بس احبه، الحب يا بتي يـ………. 

لقد كانت جدتي تتحدث عن جدي بحب، رغم كل الصراخ الذي دار بينهما في حضورنا، لطالما أسقطت عليه اهتمامها بطريقةٍ مختلفة، لم تكن لتصرخ لتقليل احترامه بل من شدة رغبتها بالأفضل له، ولم يكن ليغضب منها مطلقًا… لطالما ناداها بـ حبيبتي حين تغضب.

لطالما أثار جدي حفيظتها بكل الفوضى التي يحدثها، ولطالما تجاهلت ذلك لأنها طبيعته، وطبيعته تقود طبيعتها للجنون… إنما فوضاه تفيض الحب علينا جميعًا، لم يبحث عن سبب ليغضبها، أحبها جدًا… وهي تعرف ذلك.

علاقتهما كانت دافئة، كلنا شعرنا بذلك… أبناء الجيران الذين اعتادوا على اللعب في منزل جدي يعرفون ذلك!

وجدتي وحدها مكسورة رغم كل محبتنا، مشدوهة حتى الآن حتى بعد ٥ سنين، مشتاقة حتى بعد التعود… وعدم حديثها عنه مفضوح في عيونها.

العناق كحاجةٍ بتاريخ صلاحية

عندما تحتشد الخسائر في صدرك، تصبح غير قابل للتفاوض على فراغك، محاولات الملء لا تشبه الامتلاء، والنبش في الذكريات الجميلة أمر سخيف لا يبعث على الابتسام، الموسيقى تتناغم مع الهدوء، والسكون هي ردة الفعل الوحيدة مع نفسك ومع عناقات الآخرين.

حاجتك الماسة للعناق لم تعد مهمة، والذين رغبت بمعانقتهم لم يعد باستطاعتهم تغيير شيء ولو عانقوك ألف مرة، الغصة التي كانت عالقة ذهبت من تلقاء نفسها وأخذت معها كل ما يمكنها سحبه.

في النهاية، حاجتنا لشيءٍ محدود بصلاحية، وحاجتي لمسكنات الألم للتو قد بدأت.

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع