التقييم الأولي لا يُحسب!

في نقاشٍ ما دار أثناء مهرجان الأفلام في دبي مع بعض الرفقة، قال أحدهم بعد مشاهدتنا لفيلم ما:

إذا الفيلم ما استفز فيك شيء سواء بشكل جيد أو بشكل سيء.. فهو سيء.

هذه الجملة، هذا النقاش.. فتح لي باب إدراكٍ جديد لم أكن ألحظه مسبقًا؛ الاندفاع لتقييم فيلمٍ ما بعد مشاهدته مباشرة.

بطبيعتي كنتُ أترك الفيلم يأخذ بضعة أيامٍ ريثما أكتب عنه، لأكتب ما علق في ذاكرتي فقط.

لكن الأمر تطور بشكلٍ كبير بعد هذا النقاش، هنالك المشاهدة الأولية، وهنالك إعادة المشاهدة..

وهنالك العودة للقائمة التي تم تقييمها وإعادة تقييمها من جديد!


لماذا؟

غالبًا في المشاهدة الأولى يُبنى التقييم على عدةِ عوامل (غير منطقية) في لحظتها:

دهشة الفيلم، جودة التصوير، مدى اندماجك في القصة.. التأثير الإيجابي أو السلبي الذي تركه فيك.

فـ لو كان تأثير الفيلم إيجابيًّا غالبًا سيرتفع تقييم الفيلم حتى لو لم تكن جودة الفيلم عالية ببقية جوانبها الفنية والتقنية، والعكس صحيح.. سينخفض تقييمك له بحسب التأثير الذي تركه فيك.


المشاهدة الثانية يقوم بها عادةً من يدرسون الأفلام للخروج من اللحظة الغير منطقية، والنظر في بقية جوانب الفيلم التي يُغفلها المشاهد العادي.. التدقيق في سايكولوجية الفيلم، سينماتوغرافي، الموسيقى التصويرية، طريقة الإخراج، السيناريو والرموز الدلالية.. هذه الأشياء التي غالبًا تستمع لها وتفهمها من أناسٍ يقومون بنشر تقييماتهم وقراءاتهم الشخصية على الإنترنت.

هي ذاتها التي يشاركها مقييمو الأفلام وما يُعطي الفيلم تقييمًا عاليّا في أماكن مختلفة.


التقييم الثالث، هذا التقييم عادةً يكون صادقًا أكثر من غيره، لأن المرحلتين المنطقية والغير منطقية انتهتا.. 

دهشة الفيلم والمتعة التي يبحث عنها الشخص في المشاهدة الأولى قد عبرت، ودراسة الفيلم ومحاولة إيجاد قوته وضعفه وطريقته انتهيت منها أيضًا.

يبقى ما ظّل في ذاكرتك والانطباع الحقيقي الذي كان مخبوءًا تحت كومة الأفكار والتحليل والدهشة والمتعة كلها. وهو ما لا ننظر له عادةً.

ما الذي جعل هذا الفيلم مهمًّا لك، أو على قدر من التفاهة!

ماهو الشعور الذي يعتريك مباشرةً عندما تمر على اسم فيلمٍ معين قمت بمشاهدته مسبقًا.. 

على سبيل المثال:

بعيدًا عن آراء الآخرين فيه، كلما عبر على ذاكرتي شهق شعور داخلي، وذكرت كمية الألم والوحدة والمعاناة في هذا الفيلم.

بغض النظر عن الموسيقى التصويرية التي أردت البحث عنها، علقت في كل المشاهد التي ظل فيها الممثل مدهوشًا ومتحيرًا، تعبر عن كمية الصراع الكبيرة في داخله، والصدمة التي ابتلعته عند عودته في المشاهد الأخيرة للواقع الذي كان يحنّ إليه ليكتشف أنه كان أفضل في خياله.

بقدر ما كان الفيلم رائعًا حواريًّا، لكنه يثير في داخلي كمية كبيرة جدًّا من الألم، ليس سوى سلسلة مطولة من الوداعيات.. لذلك أضعه في القائمة التي تحتاج مني تجاوز شعوري معها.

Her

من الأفلام التي قيمتها بشكلٍ سيء في البداية، وبعد مدةٍ طويلة رغم عدم مشاهدتي له مجددًا أعدت تقييمه بتقييم أعلى، لقد ذكرت معظم المشاهد فيه، وكان لها معنى مختلف في داخلي بعكس المشاهدة الأولى.

من الأفلام التي لا أستطيع سوى التفاعل معها في كل مرة، بسبب قوة الإرادة والشجاعة في طلب المساعدة والإعتراف بوجود الخطأ. المشهد الأخير حين قال للشخص الذي أتى له من طرف جائزة نوبل عن مسألة الجنون، أظنها بالنسبة لي من قائمة أكثر اللقطات عمقًا في تاريخ السينما.. 

بقدر ما يبدو فيلم (بوب كورن)، لكني دائمًا أذكره كفيلم التعاطف الإنساني الذي يظهر فيه هذا الكائن البشري كالشخص الوحيد بمحور الكون والذي يحمل أقسى الهموم ومشاكلها متناسيًّا الآخرين وأنه الوحيد المستحق للتعاطف متغاضيًّا عن أفعاله.


هذه المشاعر فعليًّا هي ما تحكم تقييمك للفيلم على الصعيد الشخصي، وهي الأصدق من بين الثلاثة.. تأتي بشكلٍ تراكمي.. وفي هذه المرحلة يصبح الفيلم بالنسبةِ لك درسًا مجانيًّا -تقريبًا، لا يوجد شيء مجاني، شعورك اتجاهه بسبب أنك مررت بشيءٍ مشابه- أو يصبح وقتًا قد مر بمتعةٍ لا أكثر.. وربما مضيعة للوقت فقط.

هل يجب علي المرور بهذه المراحل الثلاثة؟

لا، في الواقع.. الأفلام صنعت بعدة أنواع، لكن جميعها تروي قصة، وجميعها تؤثر وتتلاعب فيك عاطفيًّا..

وجود شخصٍ آمن لشعورك للمشاهدةِ معه يساعد في إخراج شعورك الحقيقي من كومة كل هذه التحاليل والدهشة.. وعدم الوقوع فيما يشبه (مزاجية ما بعد الفيلم) التي تكون ردة فعلٍ عميقة لا يمكن التنبؤ بها ولا فهمها من المحيطين طالما كانوا خارج دائرتك الآمنة.

وعليه؛ جد رفقةً آمنة لكل فيلمٍ قد يرميك في صدمةٍ عاطفية عميقة لا يمكنك التحدث عنها مباشرة؛ أو سيكون من الأسهل أن تتوقف عن المشاهدة حتى تعبر الصدمة التي تترك في داخلك رفضًا غير ملحوظ للمشاهدة حتى وإن كانت هنالك فرصة.

أو.. يمكنك أن تكون جون ناش والتعرف على مشاكلك من خلال هذه المشاهدة، وأن تتعامل معها!

Weird, Silent, Deep, Quiet.. Movies

Quid Pro Quo

Into The Wild

‎أضف رد

I don't publish guest or sponsored posts on this site. But thanks anyway. :)

:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع

‎القائمة الجانبية المتحركة

من أنا

  • آيَات عبدالله، لا أُمانعُ أن أكونَ مجرَد آية.
  • أظُن أنك تريد معرفةَ مِن أين أنا أو كم لِي من العمرِ أو ماذا أفعلُ في الحيَاة، لكني سأخبركَ فقط بمَا أهتم به:
  • اليوغا | التغذية إلى حد ما
  • التجرد أو Minimalism | القراءة | الكتابة
  • الموسيقى | الفنون البصرية | صناعة الأفلام
  • الرسم بشكلٍ خاص

النشرة البريدية