مشهدٌ درامي – عيدُ الميلاد

لم تكن أعيادُ الميلاد تعني لي شيئًا؛ ربما لأني منذ صغري لم أكن أحظَى بواحد.. لدي اثنانِ ربما مع عائلتي – بحسب ذاكرةِ طفولتي – ، ولم أحظَ بأكثر من ذلك. وبقيَ كذلك حتى أصبحتُ في العشرين.

أظن أن الأمور تتغير بمجردِ أن نكبر، ونبدأ باتخاذِ القراراتِ في تغيير معارفنا أو توسيع دوائرنا وربما تضييقها، عندما تبدأ أفكارنا وقيمنا بالتغير بعد أن تعترضها الكثير من المواقف والمعتقدات الجديدة، والأشخاص كذلك.

وأيامُ ميلادي تغيرت منذ أن تجاوزت العشرين، بعد أن أصبحت الرفقة هي ما تصنع الذكرى وليس الحدث ذاته… هكذا بدأ ميلادي الأول فعليًّا في حياتي.

لقد كان ميلادًا مفاجئًّا، هادئًّا وسط ٣ أشخاص، أحببتهم بصدق وكذلك فعلوا، لم أكن أنتظر منهم أن يفعلوا لي شيئًا… ولم ينتظروا كذلك، لقد كنا نتشارك السعادة وننشرها بيننا فقط!

ميلادي الأول، خارج نطاق عائلتي… لقد كان في مقهى صغير مع قالب كيك وبضعة صورٍ لا زالت بيننا.

ميلادي الأول الذي رأيتُ فيه ابتسامتي التي لا أحبها وشعرت بالسعادة وأنا أنظر إليها الآن بعد ٨ أعوام.

Ayat’s Birthday – 2011

أعتقد، بل أجزم… أن السعادة التي نحصدها بوجود الآخرين لأشياء قدروها لأجلنا في حين لم تكن تعني لأحدٍ شيئًا هي ما تجعل الأعياد مهمة، هي ما تجعل الآخرين يترقبون هذا الحدث… كي يشعروا بهذا الاهتمام، ليروا أولئك الذين يحبونهم حولهم، يضيفون سحرهم على قلوبهم، ويؤكدون لهم أنهم هنا بطريقةٍ غير مباشرة.

كأنها اتفاقية عالمية، للأصدقاء، للمحبين، للمتزوجين، للأبناء… ليست حكرًا على أحد! إنها فقط… هكذا!

ميلادي الذي يليه بعامين، كان مع مجموعة أخرى من الأصدقاء، في منزلي وكان مفاجئًّا… اتفقوا فيه على شراء الكاميرا التي أردتها – والتي لا زلتُ أستخدمها حتى الآن – وإهدائي إياها.

كنتُ قد نسيت أنه يوم ميلادي، كنتُ أشعر بالمتعةِ التي تجلبها لي الرفقة المحببة بشكل مفاجئ – والتي أفتقدها -، ولم أعتقد لوهلة… أن مثل هذا المشهدِ سيحدث لي.

لطالما آمنتُ أن الأشياء الجميلة لا تحتاجُ مناسبةً لتحدث، وعليه لم أكن أترقب المناسبة لإهداءِ أحدٍ شيئًا أردتُ إهداءه إياه.

بعد هذين الميلادين، مرت أيامُ ميلادي هادئة، كما لو أن الزمن عاد بي إلى الخلف… وعُدت ذاتي التي لم تكن تهتم لأعيادِ الميلاد.. سوى أنها افتقدت الرفقة التي قد تحدث فيه.

لكن العُمر طويلٌ والتقلبات كثيرة، ولا يمكن التنبؤ بها… ٢٠١٨ حمل لي ميلادًا لا يُشبه أيًّا من أيامِ ميلادي كلها التي مضت.

بالرغمِ من أني لم أكن بالقربِ من أحد، لكنهم كانوا بقربي… أشيائي المفضلة كانت منهم، أحملها معي طوال عام، وأرتديها طوال عام، ويذوب قلبي لهذا الشعور ويتحطم كذلك.

لا يُمكن للأشياء الجيدة أن تبقى على الدوام، عليك أن تشكرها لأنها كانت جيدة، ثم تدعها ترحل… لذلك أدونها كي أنسى.

عامي الذي مضى، بتاريخيه الميلادي والهجري، وضع الكثير من بصماتهِ حولي، وعلى يدي، وفي أذني، وفي قلبي. لقد ملأني العام الماضي سعادةً قاسية، جاءت كجرعةٍ مفاجئة تُغشيك لعدم احتمالك إياها، تُشبه شعور الاستيقاظ بعد جرعةٍ عالية من ب المخدر – إن كنت جربت ذلك -، لقد كان عامًا كافيًّا لأتنازل عن تذكر أيامِ ميلادِ كل الذين شاركتهم بالاهتمام بتذكرهم.

عام، ٣٦٥ يوم كافية لتغيير الموازين، لغرس أناسٍ فيكَ بشدة أكثر مما قد يفعل أي وقتٍ آخر، ولجعلي أتمسك بالمشهد الذي طالما أردتُه: أن أقضي يوم ميلادي وحيدة، لا أحد يذكرني فيه، ولا أهتم بالتواصل مع أحد، كأي يومٍ عادي.

سوى أني أشعر بالألم هذه المرة قبل أن يأتي يوم ميلادي، لأن هذا القرار أتى بعد أن سقط أصدقائي واحدًا تلو الآخر، حتى الذين ظننت ووثقت أنهم لن يسقطوا، وتمسكتُ بهم بشدة حتى لم أعد أستطيع أن أقبل وجودي في الصورة، سقطوا… وسقطوا بصورةٍ شنيعة وبشعة جعلتني أكره بقائي حتى تحدث. لكنها حدثت….

لميلادي هذا العام، أردتُ أن أجلس في المنزل لوحدي، سيكون الربيع.. سأكون قادرة على الحراك دون أن أشعر بالألم من البرد أو النعاس، سأترك الشبابيك مفتوحة، سأظل على الأريكة أطالع الشاشة ولا أعرف ماذا قد أشاهد فيها، لكن ذلك لا يهم… هكذا أريد للمشهد أن يكون، وسيملأ المنزل صوت الموسيقى.

سيكون هاتفي مغلقًا، وربما لا… لكنه بعيد… وربما لا، قد أقرأ كل شيءٍ ولا أجيب، وربما لا.

وفي مشهدي هذا، سوف أنام طويلًا بعد أن أفتح الهدايا التي وصلتني. بالطبع توجد هدايا، لقد اشتريت لنفسي هدايا… لقد شاركني البعض في وقتٍ مبكر كذلك بالهدايا!

لكن هداياي التي تمثلت في بضعةِ كتبٍ اشتريتها لنفسي وشيءٍ صغير لطالما أردته، لن تصل حتى نيسان، ولأني مثالية جدًّا في رغباتي أو متطلبة جدًّا كما قِيل لي: “من الصفات الي فيك انك (متطلبة) في رغباتك، ما يرضيك بديل الي تطلبيه..”.

قررت أن أغير المشهد، وأن أتخلى عن الفكرةِ بالكامل… وأبقى في صمتي كأن شيئًا لم يكن، وكأن الحياةَ لم تكن لتقف لي على مستقر، وأن ذلك لم يكن ليناسب أحدًا أكثر مني.

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع

‎القائمة الجانبية المتحركة

من أنا

  • آيَات عبدالله، لا أُمانعُ أن أكونَ مجرَد آية.
  • أظُن أنك تريد معرفةَ مِن أين أنا أو كم لِي من العمرِ أو ماذا أفعلُ في الحيَاة، لكني سأخبركَ فقط بمَا أهتم به:
  • اليوغا | التغذية إلى حد ما
  • التجرد أو Minimalism | القراءة | الكتابة
  • الموسيقى | الفنون البصرية | صناعة الأفلام
  • الرسم بشكلٍ خاص

النشرة البريدية