الذّاكِرة

الأمرُ مُربِك، كأنّكَ تكذبُ على نفسِك، لكنّكَ أصدقُ مِن أن تعِيش ذاكِرَةً ليسَت لك. إن عبَرَت.. تركتَها تختَال بذيلِ فستانِها الذي يلامِسُ قدميكَ، وإن لَم تعبُر… تساءَلتَ عن أيّكمَا استحقّ هذهِ اللحظةَ أكثر ليعِيش!

تضعُ رأسكَ على الوسادةِ باستسلام، لا للنّومِ بل للمعركةِ القادمة… تُخفِضُ كلّ أسلِحتكَ أمام الطفّلة التي تحتاج الصراخ، لا يمكنكَ قمعُ الأطفال وإلا انتقموا منكَ عندما يكبروا… ليس الأمرُ وكأنّهم سيفعلُون ذلكَ عمدًا، لكنّها لعنةٌ تصم القسَاة في هذا العَالم. تمسحُ على وجهكَ بأصابعها اليابسة، تُذكّرُك بابتسامتك… تغرسُ أصابعها في صدرك الخاوي، تذكّرُك باخضرارك، تزرعُ نفسهَا في حُضنك، وتجعلُك تهوي سريعًا بكل خططِ معاركك.

ترحَل عنكَ مخلفةً دمارًا لا يمكنكَ نفضُه، تسمعُ وقع أقدامها في فضائك، حتّى يختفِي ذيلها، أو تُقرر هي إعدامُكَ به. لا يمكنكَ إعلانُ الحربِ على براءتها، منذ متى صارتِ الذاكِرةُ جرمًا يستحقُّ الموت؟! 

تهمسُ في أذنيكَ بتميمةِ بقَاء: النبوءَةُ تتكَرّر.

تُحدّقُ طويلًا في الفراغ، تشعُر بأضلاعِك تسقطُ من مكانِها، حِصنكَ لم يعُد يبالِي بالاستمرارِ للمجهُول! كيف يمكنُكَ أن تستمرّ في الغَيب، ليس وكأنّكَ يُونس في بطنِ الحُوت، وليس كأنّ الله أودع في الآخرينَ من كَرمهِ ما يجعلك تشعُر بالاطمِئنانِ للعذَاب.

تعرِفُ أنَّك تعبرُ عندمَا يرتَد عليكَ صدى صوتكَ ملبوسًا بالوجَع، تُحرّك أقدامكَ كمَا لو كُنتَ تحملُك على أطرافها.. وتزرعُكَ على الجسرِ، حتى الجسُور الهادئة آيلةٌ للسقُوط؛ هكذا اعتادت الحقائقُ أن تخبرك. وهكذَا اعتدتَ العبُور نحو الضفّة الأخرى في كلّ مرّة وأنت تعلمُ أنك غالبًا لن تعُود.

الأطفالُ يخافُون الجسُور… ألم تكُن تعلمُ ذلك؟


‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع