هؤلاء البشر بائسون

وحيدًا أعيش يومي، كلّ رغبتي ألا أتحرك.. متخففٌ من ارتباطاتِ الآخرين، أو ما كنتُ أظنه ارتباط.. متخلٍ عن كل الأشياء التي كنت أسعى لها في الأيام الثلاثين الأخيرة، متنفس حدّ أن النفس لم يعد كافيًّا، ومتيقنٌ أني لستُ شيئًا يذكرهُ الآخرون إلا لحاجةٍ في أنفسهم.

رأسي على الوسادةِ مثقلٌ بوزنه، أتخيل أفكاري صناديق ضخمةٍ عند ميناءٍ هادئ، ألقيها واحدًا تلو الآخر علّ المساحة تتسع، وعل صدى صوتي لا يجدُ ممراتٍ كثيرة يتكرر فيها فينتهي في موجةٍ واحدة عند أطراف رأسي، أسمع صوت الموجِ وسرعان ما تخالجني رغبة البكاء.

تتصاعد الرغبة دون مبرر، ربما لأني دائمًا تخيلتُ أن البكاء سيكون أخفّ بكثير برفقةِ أحد..، أو ربما لأني لم أفعل ذلك إلا نادرًا وكان مريحًا فعلًا.

أشعر بالحاجةِ الماسة لصدر صديق أبكي عليه، لكني سريعًا ما أنتهي بأن وجود الأصدقاء مجرد كذبة، خيبتي في شخصٍ واحد توجعني بالعموم، ومكاني الذي فقدته لم يعد له وجود.

تتملكني المواقف وتلكز خاصرتي في كل لحظةٍ من كل يومٍ لوقتٍ طويل، إنها تعيش معي لتجعلني أقسى رغم لطافتي الساذجة. لم أعد أستطيع تبرئة أحدٍ من التفكير السيء، ولم أعد قادرةً على التواصل مع الآخرين كذلك.

لا أعرف هل هم سيئون أم أنا!

يبدو البشر باهتين، جميعهم يحاول حماية نفسه، الجميع ينتظر من الطرف الآخر أن يبدأ بالمبادرة، والجريء مسكين… لأنه سيقع تحت ملامةِ ذاته عندما يبدأ الطرف الآخر بمتابعةِ حمايةِ نفسه حتى لو رغب بذلك.

لم تعد هنالك فسحةٌ للعيش، والرغبة في الخروج من المنزل مرهونةٌ بالوحدة. قال أحدهم لي أنه يعيش في مزرعةِ جده ولا يعرف هناك سوى جدته، أذكر أني رأيت مكتبته الكبيرة والتي كانت واضحةً في طريقة كلامه، وكان من النادر أن يجيب على اتصالٍ رغم تواجده الدائم على الانترنت. لقد علقت جملته في ذاكرتي كمشهدٍ للأعشابِ الطويلة في مشهد غروب: أنا ابن جدتي وهذه المزرعة.

كان الأمر جميلًا دون اقتناع، لديهِ كل شيءٍ لكنه اختار الابتعاد. أفهم الآن الذي كان يفعله… لأني أريد فعل مثله.

أحمل بداخلي الكثير من الشعور السلبي الذي يجعلني لا أرغب بالشعور مجددًا، كل الشعور الذي ينتابني خيبة، لا أبرئ طبيعتي التي تبحث عن سببٍ لتتمسك به وتجعله عذرًا لما تفعله، لكني فعلًا باهت حين أكون وسط الآخرين. 

لا أفهم الطريقة التي يتصرفون فيها، ولا أشعر بقيمةِ هذا الإنسان بداخلي لديهم، أبدو كقطعةٍ جانبية متاحةً على الدوام، السؤال لا يعطي إجابة، والإجاباتُ لا تأتي سوى بقسوةٍ لا تحترم هذا الشخص بداخلي.

أنظر في عيونهم وإلى شحوبِهم، أشعر بالدهشة مرسومةً على وجهي، لا شيء..! لا شيء على الإطلاق.

لا أستطيع البقاء متاحًا على الدوام، مستنزفٌ كحفرةٍ لم يعد بمقدارها أن تتسع، تعبتُ من البقاء.. تعبتُ من محاولةِ الفهم.. تعبتُ من المساحاتِ التي تُقاس بمعايير مختلفة لدى كل شخص.

لا أنوي الحراك، كبهيمةٍ تأبى أن تبتعد عن بقعتها رغم السياط التي تتلوى عليها. لا تهتم لمن يشعر بالانزعاج منها ولا تهتم لما تجلسُ عليه، لا يهمها حتى إن كانت جالسةً أم واقفة.. كالجياد عندما تستعد للموت.

غير مبالٍ بأحد ولا مبالٍ بنفسي، أفعل الأشياء اتفاقًا لما تتطلبه مني اللحظة فقط، ثم أبقى ساكنًا لأطول فترةٍ ممكنة، الكتب وحدها تعيش معي غير أني لا أستطيع احتمالها أحيانًا كذلك، يبدو صدري ضيقًا ليسمح بكلماتِ أحدٍ للعبور.

لستُ كئيبًا لكني لا أتوقف عن البكاء، ولستُ حزينًا لكني مليءٌ بالضيق في صدري، لستُ أكرهُ أحدًا ولكني لا أستطيع الشعور بالحب، لا أنتظر شيئًا لأن لا شيء بقي لأنتظره.

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع

‎القائمة الجانبية المتحركة

من أنا

  • آيَات عبدالله، لا أُمانعُ أن أكونَ مجرَد آية.
  • أظُن أنك تريد معرفةَ مِن أين أنا أو كم لِي من العمرِ أو ماذا أفعلُ في الحيَاة، لكني سأخبركَ فقط بمَا أهتم به:
  • اليوغا | التغذية إلى حد ما
  • التجرد أو Minimalism | القراءة | الكتابة
  • الموسيقى | الفنون البصرية | صناعة الأفلام
  • الرسم بشكلٍ خاص

النشرة البريدية